الشيخ محمد الخضري بك

124

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

ابن زيد ، ورفاعة بن المعلى ، وعثمان بن عفان ، وتوجّهوا إلى المدينة ، ولكنهم استحيوا أن يدخلوها فرجعوا بعد ثلاث ، وثبت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومعه جماعة منهم : أبو طلحة الأنصاري « 1 » استمرّ بين يديه يمنع عنه بجحفته « 2 » ، وكان راميا شديد الرمي . فنثر كنانته « 3 » بين يدي رسول اللّه ، وصار يقول : وجهي لوجهك فداء ، وكل من كان يمر ومعه كنانة يقول له عليه الصلاة والسلام : انثرها لأبي طلحة ، وكان ينظر إلى القوم ليرى ماذا يفعلون ، فيقول له أبو طلحة : يا نبي اللّه بأبي أنت وأمي ، لا تنظر يصيبك سهم من سهام القوم ! نحري دون نحرك . وممن ثبت سعد بن أبي وقاص ، فكان عليه الصلاة والسلام يقول له : « إرم سعد ! فداك أبي وأمي » . ومنهم سهل بن حنيف « 4 » وكان من مشاهير الرماة نضح عن رسول اللّه بالنبل حتى انفرج عنه الناس . ومنهم أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري « 5 » تترّس على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فصار النبل يقع على ظهره وهو منحن حتى كثر فيه . وكان يقاتل عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم زيادة بن السكن « 6 » حتى أصابت الجراح مقاتله ، فأمر به فأدني منه ووسده قدمه حتى مات . وقد أصابه عليه الصلاة والسلام شدائد عظيمة تحمّلها بما أعطاه اللّه من الثبات ، فقد أقبل أبي بن خلف يريد قتله ، فأخذ عليه الصلاة والسلام الحربة ممّن كانوا معه ، وقال : خلّوا طريقه ، فلمّا قرب منه ضربه ضربة كانت سبب هلاكه وهو راجع ، ولم يقتل رسول اللّه غيره لا في هذه الغزوة ولا في غيرها . وكان أبو عامر الراهب قد حفر حفرا وغطاها ليقع فيها المسلمون ، فوقع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في حفرة منها ، فأغمي عليه ، وخدشت ركبتاه ، فأخذ عليّ بيده ، ورفعه طلحة بن عبيد اللّه وهما ممن ثبت حتى

--> ( 1 ) مشهور بكنية ، كان من فضلاء الصحابة وهو زوج أم سليم وقد شهد بدرا . مات سنة 34 ه وصلّى عليه عثمان . ( 2 ) الترس من الجلد . ( 3 ) هي التي تجعل فيها السهام . ( 4 ) يكنى أبا سعد وأبا عبد اللّه من أهل بدر ، وكان من السابقين ، وشهد بدرا ، وثبت يوم أحد حين انكشف الناس وبايع يومئذ على الموت ، وكان ينفح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالنبل فيقول : نبلوا سهلا فإنه سهل ، وشهد أيضا الخندق والمشاهد كلها ، واستخلفه علي على البصرة بعد الجمل ، ثم شهد معه صفين ومات سنة 38 ه . ( 5 ) أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج متفق على شهوده بدرا ، قال علي : إنه استشهد باليمامة ، وهو من اشترك في قتل مسيلمة الكذاب مع عبد اللّه بن زيد بن عاصم ووحشي بن حرب ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد اخى بينه وبين عتبة بن غزوان . ( 6 ) الأصل : زيادة بن الحارث وهو خطأ .